
السبت، ٢١ يوليو ٢٠٠٧
أقسمت يا وطنــي !!

الدين ... سجن !!!!
بسم الله الرحمن الرحيم ..
و الصلاة و السلام على سيد المرسلين ،، و على آله و صحبه و سلم
أما بعد ،،
يتأمل في سجنه و يلتفت ، فيرى في يده الأصفاد الحديدية ، و يرى الباب أمامه ، أنه حديدي صلب لا تقو على اختراقه اعتى المعدات و المتفجرات .. و لكنه ، لسبب ما ، يشعر بالسعادة في وجود هذا الباب الذي يغلق عليه غرفته .. أقصد سجنه ! أشاح بنظره ليرى مصدر النور البراق من تلك النافذة .. فتكاد عينه أن تعمى من من شدة هذا الضوء ..
يرجع بذاكرته إلى الماضي البعيد .. إلى ما يكاد يذكره من طفولته .. طفولته كانت عادية كما هي طفولة اي طفل اخر .. تناوبت ما بين المرح و الفرح ، و شقاء والدته من نشاطه المستمر يتذكر صراخها الذي يزلزل أرجاء البيت قائلة :"أيها الشقي ارجع ، ستلقى عقوبتك ان وضعت يدي عليك !! " فيتبسم لمعرفته ان وراء ذلك الصراخ و العويل .. قلب محب مضيء .. يريد الخيرله حتى أكثر من نفسه ، و حب كعين ماء لا تنضب ، و تعب و تعب و تعب من التربية .. فالتربية ليست سهلة ، و لكن ما هذا ؟! يتذكر أنه في عندما بلغ سن السابعة رأى أمه تضع له الاصفاد ؟ لماذا قامت بذلك ؟ مهلا ! أمه نفسها لديها نفس الاصفاد في يديها !! و أبيه كذلك ! ، كيف لم يلاحظ الأمر .. شيء عجيب !! و الأعجب من ذلك أنهم يفتخرون بهذه الأصفاد كأنما هي وسام شرف يوضع على صدر الجندي لإثبات شجاعته و بطولته في المعارك ،، لا يتذكر ما بعد ذلك .. فالعقل لا يذكر إلا الأوقات الحساسة في حياة الإنسان ، سواء أكانت أوقاتا مرحة أو حزينة ، مليئة بالهناء أو بالشقاء .. ألقى نظرة على أصفاده .. فإذا بإحداها مكتوب عليه الأخلاق .. و الاخر القيم ..
ما زال يتذكر ، يمضي الزمن فيه سريعا .. فيرى أباه يأخذه إلى سجنه ليراه خمس مرات في اليوم ! كأنما هو تهديد له ، و لكنه يعلم في أعماقه أن الامر ليس كذلك ، فالذي بعث الإستغراب و الذهول في ذهنه أن السجون كما هو معروف مكان يخافه الكثيرون .. لا يمضي إليه إلا المفسدون في المجتمع و المجرمون الذين يخالفون التقيد بالقوانين ، و لكن في حالته الامر يختلف ! فسجنه يبعث على الطمأنينة و الامان ، و الراحة و الاطمئنان ، سجن ليس ككل السجون ، بل إنه لا يعتبره سجنا ، فالسجن لا يريح هم الحزين ، و لا
وصل بذاكرته إلى مرحلة هامة في حياته ، مرحلة بلوغ سن الرشد ، الانتقال من الطفولة إلى الرجولة ، و من مجالس الأطفال إلى مجالس الرجال ، و من عبث الطفولة إلى مراتع الرجولة ..في هذا السن ، اقتاده والده .. متبخترا متفاخرا ، يسرع الخطى رويدا رويدا ، لا يطيق الانتظار .. فيرى الممرات و قد اختلفت ابوابها ، فباب من خشب و باب من نحاس و باب من حديد .. و في نهاية الممر رأى بابا أحمرا يقلق قلب المهتدين و يسمع فيه أصوات المفسدين ، أصوات صراخ و عويل و ضحك و قهقهة .. يرى كلمة مكتوبة على الباب .. و لكنه لا يراها جيدا .. فيشرع في سؤال أبيه : ما هذا المكان يا أبي ؟ فيرد الأب باقتضاب : مكان يجتمع فيه من يحبه ، مكان احترس منه الأولياء الصالحين و حذر منه الرسل الكرام ، مكان لا يبلغك المرام يا بني .. احذر ثم احذر ثم احذر منه يا بني .. فقد اجتذب هذا المكان الكثير من الصالحين و العالمين ، فحولهم بقدرة قادر إلى مفسدين جاهلين ، إنه مكان ترتع فيه الشياطين و تلعب ، تنهب من هذا حياته و على ذلك فتنصب ، و المتضرر الأول و الأخير من ابتغى هذا الطريق له سبيلا.
فتح والده باب السجن .. و دخلاه و هم ينظران في أرجائه، لا يزال صوت الباب الأحمر يطال الغرفة ، المكان مرتب و نظيف .. جدرانه بيضاء كالثلج ، أرضيته ناعمة ، و عطره الزكي يملأ الدار ، فيه من الكتب الكثير الكثير ، من علوم مختلفة و متنوعة ، و لكن برز منها أعظم كتاب في حياة البشرية ، كتاب لا يمسه إلا المطهرون .. تنزيل من رب العالمين ، مضى إلى ذلك الكتاب و أباه يراه بعين دامعة ، دموع فخر و عزة .. فاطمأن قلبه و ترك ابنه إلى العليم الحافظ ، فحينما مسه و شرع في قراءته .. فحدث شيء غريب .. أضاءت الغرفة اكثر عما كان من ذي قبل .. و اشتد النور من تلك النافذة و تبخرت تلك الأصوات حتى أصبح المكان هادئا صامتا كالليل ، فصوت الإيمان و الهداية يغلب أصوات المكر و الفساد في النهاية ، لا يسمع سوى نبض قلبه يصدح بحب خالقه ، و صوت لسانه يردد أعذب الكلام و أطيبه ، كلام من خالق كريم عجزت الأقلام عن ذكر محاسنه ، و عجزت النهى عن ذكر أوصافه ، ففي النهاية ما هي عقولنا لتدرك ما هو أعظم بكثير منها ؟
استيقظ من حلم اليقظة .. و هو مرتاح البال ، فأي بال ينشغل بعد اكتشافه للهداية ، و أي قلب يحزن بعد إبجاده للسعادة ؟ فهذا ليس سجنه !!! بل إنه الملاذ الذي يبعده عن عالم الفساد ، إنه لدينه الذي لطالما حماه من تأثير ما في ذلك الباب الأحمر ، و الذي عرف ما كان مكتوبا عليه .. الدنيا !!
فهاهو الآن ينعم بالراحة في ملاذه الأمين ، و يتمتع بتلك الأصفاد التي تمنعه من عمل المحرمات ، و ذلك الباب الثخين الذي يحميه فتن الدنيا و مصائبها .. و ألقى بنظره إلى تلك النافذة .. هي الأمل بالنسبة له ،فرأى جنة تجري من تحتها الأنهار ، و اناسا لا ينطقون إلا بالسلام و بكل ما هو خير ، مكان لا ينتهي إليه إلا من عمل صالحا ، فيردد في نفسه : ها أنا قادم .. إنها فقط مسألة وقت .. مسألة وقت فقط !!
و في النهاية راح يردد المقولة المشهورة : "الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر"

